محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال قال ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك الأنصاري انه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق فتذاكروا القرآن واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة فركب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان فقال ان الناس قد اختلفوا في القرآن حتى انى واللّه لأخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف قال ففزع لذلك فزعا شديدا فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها فنسخ منها مصاحف فبعث بها إلى الآفاق ( حدثني ) سعيد بن الربيع قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع وانما كان في الكرانيف والعسب ( حدثنا ) سعيد بن الربيع قال حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن صعصعة أن أبا بكر أول من ورّث الكلالة وجمع المصحف قال أبو جعفر وما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتاب والآثار الدالة على أن امام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة اللّه عليه جمع المسلمين نظرا منه لهم وإشفاقا منه عليهم ورأفة منه بهم حذار الردة من بعضهم بعد الإسلام والدخول في الكفر بعد الايمان إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مع سماع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم النهى عن التكذيب بشئ منها واخباره إياهم أن المراء فيها كفر فحملهم رحمة اللّه عليه إذ رأى ذلك ؟ ؟ ؟ بينهم في عصره وبحداثة عهدهم بنزول القرآن وفراق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إياهم بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرف واحد وجمعهم على مصحف واحد أو حرف واحد وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها امامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لا نفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها من غير جحود منها صحتها وصحة شئ منها ولكن نظرا منها لا نفسها ولسائر أهل دينها فلا قراءة اليوم للمسلمين الا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم امامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية فان قال بعض من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأ هموها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمرهم بقراءتها قيل إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض وانما كان أمر إباحة ورخصة لان القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة ويقطع خبره العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين بعد أن يكون في نقلة القرآن من الامّة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة فإذا كان ذلك كذلك لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما كان عليهم نقله بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان هو النظر للاسلام وأهله فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم